لندن-ليليان داود
لا تفاجأ إذا دخلت إلى أحد مطاعم العاصمة البريطانية ولم تجد مكانًا تجلس فيه مع أن المطعم خالٍ إلا من بضعة أشخاص توزَّعوا كل بمفرده على طاولة تتسع لأربعة، فقد أصبحت العزوبية وحب الوحدة هي شعار الكثير من البريطانيين. فهناك دائمًا بجانب طبق الأكل في المطعم جريدة أو كتاب أو حتى دفتر يوميات، يغوص فيه صاحبه مركّزًا نظره على الصفحات متلافيًا حوادث تصادم العيون البشرية. في محطات المترو ومواقف الأتوبيس، المشهد يتكرر، رؤوس غارقة في الورق. مما يذكرك بأسطورة الهنود الحمر في وصف الشعوب الأوروبية البيضاء بأنهم "حفنة من الوجوه الشاحبة الغارقة في أوراقها تقرأ".
"وحيدون.. لكن سعداء": أصبح شعار فئة كبيرة من أبناء الشعب البريطاني الذين صار الكثير منهم يفضل البقاء وحيدًا على الزواج والتزاماته، حتى توصل البعض للقول: إن العزوبية ليست متغيرًا ثقافيًا، وإنما هي مستقبل المجتمع.
ومؤشرات ارتفاع نسبة العزّاب في بريطانيا متعددة ومتنوعة، مردها إلى أسباب تقليدية كقلة الزواج، وارتفاع نسبة الطلاق الذي سجَّل معدلات عالية مع مطلع عام ألفين، وأخرى تتماشى وحداثة الحياة اليوم، منها اعتقاد المرء قدرته على تقرير مصيره بنفسه، أو تحقيق طموحات من مثل: "أريد أن أكون أنا وليس نحن".
ولا يمكننا حصر أسباب الاتجاه للوحدة والعزوبية ومظاهرها في بضعة سطور، إنما بعض تلك المؤشِّرات لها دلالات واضحة على تزايد نسبة العزوبية.
على سبيل المثال.. يتوقع أن تصل نسبة العزاب اللذين يشترون البيوت إلى 40% عام 2010، بعد أن كانت 10% سنة 1961، وفي السنوات الثلاث الأخيرة خمسين ألف وحدة سكنية بيعت نسبة 50% منها للعازبين.
هذا التزايد المستمر ترتَّبت عليه تحوّلات بارزة في دورة الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لتلبي الحاجات المتنامية للفئة العازبة.
على الصعيد الديموغرافي.. تكثر المشاريع السكنية الصالحة للأفراد، وتتجمع غالبيتهم في وسط العاصمة لندن مما يقربهم من مركز التفاعلات الحياتية، بينما لا يتسنى ذلك للعائلات التي تشغل الضواحي والمناطق خارجها.
كما تتزايد أعداد المحلات ذوات الأسماء الكبيرة في عالم التجارة في لندن في مناطق سكن العزاب، وتتنافس فيما بينها لعرض أكبر قدر من السلع التي تناسب نمط عيشهم. حيث يمكنك تمييز العازب عن غيره من عربته في المحالّ التجارية التي تكون مليئة بالأطعمة الجاهزة والمعلبات السريعة التحضير وعدد غير قليل من المجلات والجرائد.
في الماضي القريب.. كان التوجه العام لتلك الأعمال أن يتم تناول العزاب على أنهم كائنات وحيدة تعيسة تعاني من الأزمات النفسية، وفي الوقت الحالي أصبحت الروايات تعرض العزوبية كخيار يتسق مع باقي خيارات العازب، وتكرس لها نمطًا مميزًا من السلوكيات يتسم بالحرية على مستوى اتخاذ القرارات والعيش بالطريقة التي يفضلها الشخص دون أن يضطر إلى تغيير ما فيه لإرضاء أهواء الشريك ومتطلباته.
في حديث إلى إحدى الصحف المحلية.. يعبِّر الكاتب ويليم صاتكليف -صاحب رواية "سداسية الحب"- عن نظرته إلى العزوبية كما يتناولها في رواياته في قوله: إن الشخصين اللذين تزوَّجا في الرواية الأخيرة كان الزواج العقاب المناسب لهما، أما بقية الشخصيات فالعزوبية أفضل خياراتها، مضيفا أن الرومانسية صارت مملة والورود الحمراء موضة قديمة!.
أيضًا ساهمت الأفلام السينمائية في تغيير القيم الاجتماعية للأوروبيين والبريطانيين بشكل كبير، لا سيما مجموعة من الأفلام أنتجت مطلع الستينات وعالجت قضايا تلك الحقبة، كالتحرر الجنسي، والتي أدت في نهاية الأمر إلى هذا الحد أو ذاك إلى تطويع الآراء البريطانية المنتقدة لممارسة الجنس دون زواج.
على نفس الطريق.. تسير أفلام السنوات الأخيرة في بريطانيا، نرى العازب فيها هانئًا راضيا عما كتب له، كما في فيلم Notting Hill البطل يعيش حياته وحده عازبًا بعد طلاقه، لا يلاحقه هاجس الحب والبحث عنه إلى أن تجمعه الصدفة ببطلة الفيلم جوليا روبرت، ويقع في حبها بعد سلسلة من الأحداث.
وبالرغم من النهاية التقليدية؛ أي زواج الحبيبين.. إلا أن الزواج لم يتم بعد صراع مع الوحدة ومشاكلها كما اعتدنا على الأفلام في تناولها للعزوبية. بل على العكس من ذلك.. فبطل الفيلم يتقبَّل حياته كما هي بتلقائية وارتياح.
البرامج التلفزيونية من جهتها باتت تتعامل مع العزاب بطريقة تذكرنا بالطريقة التي يتم التعامل بها مع الأقليات الإثنية، بالحديث عنها وتقديمها بحذر عبر لقطات وموضوعات معيَّنة تعرف بها دون المساس بالمشاعر العامة. هذا إضافة إلى الكم الهائل من أغنيات البوب التي تحكي دومًا إما عن الوقوع في الحب أو الوقوع خارجه! النمط الذي يتناسب ونمط عيش العازب.
ومن المعتقد أن طبيعة الحياة المادية تشكل جزءاً من مغريات العزوبية، ولها دورها الكبير هي الأخرى فيها، فأن يكون المرء عازبا في لندن يعني أنه في حِلٍّ من الالتزامات الزوجية والروابط الأبوية، وهذا بالتالي يخفف عبئًا ماليًا كبيرًا، ويصبح الدخل المادي للعازب له وحده، وبذا تزيد فرص ادخار المزيد من المال لقضاء العطل، وتزيد قدرة الفرد على شراء الثياب، وارتياد المطاعم والبارات والنوادي الرياضية. باختصار.. قد بؤدي ذلك إلى تحسين مستوى معيشة الفرد، وإلى ازدهار قطاعات اقتصادية جديدة تتماشى مع التحولات الاجتماعية.
قد لا نفاجأ بالتالي بعد فترة من الزمن أن تصبح المؤسسة الزوجية في بريطانيا من حكايات ألف ليلة وليلة، أو أن يصبح المتزوجون أقلية يتناقص الاهتمام بها وباحتياجاتها، حيث الكتب والسينما والتلفزيون جميعها مشغولة بالعزاب واهتماماتهم، والمجتمع يؤقلم نفسه وفقًا لاهتمامات هذه الفئة من الناس، يلبِّي احتياجاتها ويوفِّر المناخ الملائم لتناميها
.
.
الخميس, 26 جمادى الأولى, 1427
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








